مشاهدة النسخة كاملة : آية وتفسير وتعلم كتاب الله
ابو هاجر وفهد
01-07-2009, 11:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين حمداَ يليق بجلاله وكمال سلطانه والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين
هنا نتعلم القران وهنا نتدارس كتاب الله حتى يكون لنا شفيعاَ لنا يوم القيامة يوم لا ينعف مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم
إذا تحفظ آية وتحفظ تفسيرها أو تعلم اليوم شي من كتاب الله فلا تبخل علينا فأتي بها هنا لكي نستفيد نحن منها ..
وتذكر
قول الرسول عليه السلام{ان لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فُضُلا يتبعون مجالس الذكر ,فاذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم ,وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم ,حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا ,فاذا تفرقوا ,عرجوا وصعدوا إلى السماء ..قال فيسألهم الله عزوجل وهو أعلم بهم :من أين جئتم ؟
فيقولون :جئنا من عند عباد لك في الارض ،يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال .وماذا يسألوني ؟ قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي ؟ قالوا لا,أي رب .قال فكيف لو رأوا جنتي ؟
قالوا ويستجيرونك قال .ومم يستجيرونني ؟ قالوا .من نارك يا رب , قال وهل رأوا ناري ؟ قالوا ,لا. قال فكيف لو رأوا ناري
قالوا :ويستغفرونك, قال .فيقول : قد غفرت لهم ,وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما أستجاروا ,قال فيقولون : رب !
فيهم فلان عبد خطاء أنما مر فجلس معهم قال فيقول .وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم }
قال الرسول عبيه السلام {وما اجتمع قوم في بيت من بيوت لله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ,إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه}
وأليك هذه النصائح
1/استحضر قلبك وتكون نيتك التقرب الى الله بهذا العمل العظيم
2/يجب أن يكون ما تكتب موافق للنهج النبوي
3/لاتأخذ التفاسير الا من أدق الكتب وأشملها مثل تفسير ابن كثير والجلالين وصحيح مسلم والبخاري وعيرها
4/إجعل تعليقك على الايه وتفسيرها بلون أخر حتى يتسنى التميز بينهما
5/كن مستمرا معنا وتقاطع كتاب الله
اسال الله القبول لي ولكم وان يجعله الله في موازين حسناتكم وأن يغفر لنا ولكم ولوالدينا أجمعين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
إشراقة شمس
01-07-2009, 11:33 PM
رائع ياابا هاجر
مبدع ...متميز...متألق
جزاك الله الفردوس
ابو هاجر وفهد
01-09-2009, 03:14 AM
رائع ياابا هاجر
مبدع ...متميز...متألق
جزاك الله الفردوس
السلام عليكم
شكرا لك يا اختي .... الاروع هو مرورك وتشريفك صفحتنا المتواضعة
ولكن نرغب بالمشاركة كي نضيء هذه الصفحة وتكون لنا ضياء
في قبورنا وحسنة في كتابنا ونجاة يوم القيامة باذن لله
وفقك الله
ابو هاجر وفهد
01-09-2009, 09:45 PM
تفسير سورة الفاتحة{مكية}
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده لا شريك له حمداَ يليقُ بجلالهِ وكمال سلطانهِ والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد ابن عبدالله وغلى اله وصحبه أجمعين
أَعُوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ بسمِ اللهِ الرحمَنِ الَرَحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِ العَالَمي ن َ{1}الرحَمنِ الرَحيمِ{2}ملِكِِ يَومِ الدِينِ{3}إياك نعُبدُ وإياك نستعينُ {4}آهدنا الصَراطَ المستقيمَ{5}صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضُوبِ عليهم ولا الضآلين{6}ن
الاستعاذة
{ أَعُوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ}
وهي بمعنى أستجيرُ وأتحصن ُ بالله ربي من الشيطان الرجيم أن يُلبس علي قراءتي أو أن يُضلني فأهلك وأشقى
حكم الاستعاذة
يُسن لمن أراد أن يقرأ شيء من القران سورةَ فأكثر لقوله تعالى {فإذا قرأت القران فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }
البسملة
{بسمِ اللهِ الرحمَنِ الَرَحِيمِ}
وهي بمعنى أبتدئ قراءتي مُتبركاً باسم الله الرحمن الرحيم ومستعيناً به عز وجل
حكم البسملة مشروعة ومطلوبة من العبد أن يُبسمل عند كل سورة يقرئها إلا سورة التوبة فإنه لا يُبسمل فيها
الحَمدُ للهِ رَبِ العَالَمين يُخبر تعالى أن جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هي له وحده دون سواه إذ هو رب كل شيء وخالقه ومالكه وأن علينا أن نحمده ونثني عليه بذلك
{الرحَمنِ الرَحيمِ}
الرحمن اسم من أسماء لله مشتقه من الرحمة دال على كثرتها والرحيم اسم صفة لله مشتق من الرحمة أي ذو الرحمة بعباده المفضيها عليهم في الدنيا والاخرة
{ملِكِِ يَومِ الدِينِ}
أي صاحب الملك المتصرف كيف يشاء الملك ذو السلطان الآمر والناهي والمعطي والمانع بلا ممانع ولا منازع ليوم القيامة حيث لا تملك نفسُ لنفس ٍ شيئا والأمرُ لله سبحانه
{إياك نعُبدُ وإياك نستعينُ}
أي بمعنى إياك نعبُدُ ونطيع مع غاية الذل لك والتعظيم والحب لك ونطلب عونك لنا على طاعتك وعبادتك وهي معاهدة بين العبد وربه
{آهدنا الصَراطَ المستقيمَ}
بعد أن توسل العبد إلى ربه بحمد لله والثناء عليه وتمجيده ومعاهدته أن لا يعبد إلا سواه مستعيناً بالله يطلب من ربه أن يهديه إلى الصراط المستقيم وهو طريق الإسلام
{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضُوبِ عليهم ولا الضآلين}
الصراط وهو الإسلام وهو طريق الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون وهم من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته ومعرفة محابه و مساخطه والتوفيق لفعل ما يُحب الله وترك ما يكره
وكذلك بعد ما سأل العبد ربه أن يهديه إلى طريق الحق فهو يسأله أن يُجنبه طريق المغضوب عليهم المفسدين في الأرض كاليهود وطريق الضالين الذين أخطئوا طريق الحق كالنصارى
ماذا تعلمنا من السورة
1/ آداب الدعاء// يكون بحمد لله والثناء عليه وتمجيده وزادت السنة الصلاة على النبي الكريم ثم يسأل حاجته
2/الترغيب في سلوك سبيل الصالحين والترهيب من سلوك سبيل الغاوين
3/الهدايه نوعان أ/هدايه أرشاد يملكها البشر فهي تدل إلى طريق الحق والصواب
ب/هدايه توفيق يملكها الله فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء
هذا بالمختصر من كتاب أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لشيخ أبو بكر جابر الجزائري
أسأل الله أن يتقلبه ويتجاوز عن ما قصرنا فيه وأن يجعله في موازين حسناتنا وأن يغفر لكاتبها وقارئها لهم ولوالديهم وأن يغفر للمسلمين أجمعين
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
كلي طموح
01-11-2009, 12:52 AM
http://ma3li.com/mlffat/files/176.gif (http://ma3li.com/mlffat/index.php?action=viewfile&id=176)
.
.
.
بــــآركـ الله فيكـ أخي الكريم ،
وجعلهـ الله في ميزآن حسنــآتكـ ،
هذآ مــآلدي وهو ~[تفسير سورة الفتح .]
تفسير سورة الفتح عدد آياتها 29 ( آية 1-29 (http://www.imadislam.com/tafsir/048_01.htm) )
وهي مدنية
{ 1-3 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا }
هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء معتمرا في قصة طويلة، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده فعل.
وبسبب ذلك لما أمن الناس بعضهم بعضا، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله عز وجل، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار، يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، وهذا حصل بذلك الفتح، ورتب الله على هذا الفتح عدة أمور، فقال: { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }
وذلك -والله أعلم- بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة، والدخول في الدين بكثرة، وبما تحمل صلى الله عليه وسلم من تلك الشروط التي لا يصبر عليها إلا أولو العزم من المرسلين، وهذا من أعظم مناقبه وكراماته صلى الله عليه وسلم، أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
{ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعزاز دينك، ونصرك على أعدائك، واتساع كلمتك، { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } تنال به السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي.
{ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } أي: قويا لا يتضعضع فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع توفر قوى المسلمين ونموهم، ونمو أموالهم.
ثم ذكر آثار هذا الفتح على المؤمنين فقال:
{ 4-6 } { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }
يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم. وقوله: { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر.
{ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات. { وَكَانَ ذَلِكَ } الجزاء المذكور للمؤمنين { عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا } فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين.
وأما المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، فإن الله يعذبهم بذلك، ويريهم ما يسوءهم؛ حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله الظن السوء، أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل، ستكون لهم الدائرة على أهل الحق، فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } بما اقترفوه من المحادة لله ولرسوله، { وَلَعَنَهُمْ } أي: أبعدهم وأقصاهم عن رحمته { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }
{ 7 } { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }
كرر الإخبار بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهما من الجنود، ليعلم العباد أنه تعالى هو المعز المذل، وأنه سينصر جنوده المنسوبة إليه، كما قال تعالى: { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا } أي: قويا غالبا، قاهرا لكل شيء، ومع عزته وقوته فهو حكيم في خلقه وتدبيره، يجري على ما تقتضيه حكمته وإتقانه.
{ 8-9 } { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا }
أي: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ } أيها الرسول الكريم { شَاهِدًا } لأمتك بما فعلوه من خير وشر، وشاهدا على المقالات والمسائل، حقها وباطلها، وشاهدا لله تعالى بالوحدانية والانفراد بالكمال من كل وجه، { وَمُبَشِّرًا } من أطاعك وأطاع الله بالثواب الدنيوي والديني والأخروي، ومنذرا من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ومن تمام البشارة والنذارة، بيان الأعمال والأخلاق التي يبشر بها وينذر، فهو المبين للخير والشر، والسعادة والشقاوة، والحق من الباطل، ولهذا رتب على ذلك قوله: { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ }
أي: بسبب دعوة الرسول لكم، وتعليمه لكم ما ينفعكم، أرسلناه لتقوموا بالإيمان بالله ورسوله، المستلزم ذلك لطاعتهما في جميع الأمور.
{ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } أي: تعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، { وَتُسَبِّحُوهُ } أي: تسبحوا لله { بُكْرَةً وَأَصِيلًا } أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها.
{ 10 } { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }
هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي { بيعة الرضوان } التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها، فأخبر تعالى: أن الذين بايعوك حقيقة الأمر أنهم { يُبَايِعُونَ اللَّهَ } ويعقدون العقد معه، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: { فَمَنْ نَكَثَ } فلم يف بما عاهد الله عليه { فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } أي: لأن وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له، { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ } أي: أتى به كاملا موفرا، { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه.
{ 11-13 } { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا * وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا }
يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله تعالى، وأنهم سيعتذرون بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، قال الله تعالى: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } فإن طلبهم الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم، لأنهم قد تابوا وأنابوا، ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء.
فظنوا { أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا } أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران:
أحدها: أنهم كانوا { قَوْمًا بُورًا } أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في قلوبهم.
الثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء كلمته، ولهذا قال: { وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: فإنه كافر مستحق للعقاب، { فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا }
{ 14 } { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }
أي: هو تعالى المنفرد بملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما يشاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية، والأحكام الجزائية، ولهذا ذكر حكم الجزاء المرتب على الأحكام الشرعية، فقال: { يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } وهو من قام بما أمره الله به { وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } ممن تهاون بأمر الله، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: وصفه اللازم الذي لا ينفك عنه المغفرة والرحمة، فلا يزال في جميع الأوقات يغفر للمذنبين، ويتجاوز عن الخطائين، ويتقبل توبة التائبين، وينزل خيره المدرار، آناء الليل والنهار.
{ 15 } { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا }
لما ذكر تعالى المخلفين وذمهم، ذكر أن من عقوبتهم الدنيوية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا انطلقوا إلى غنائم لا قتال فيها ليأخذوها، طلبوا منهم الصحبة والمشاركة، ويقولون: { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ } بذلك { أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ } حيث حكم بعقوبتهم، واختصاص الصحابة المؤمنين بتلك الغنائم، شرعا وقدرا. { قُلْ } لهم { لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } إنكم محرومون منها بما جنيتم على أنفسكم، وبما تركتم القتال أول مرة.
{ فَسَيَقُولُونَ } مجيبين لهذا الكلام، الذي منعوا به عن الخروج: { بَلْ تَحْسُدُونَنَا } على الغنائم، هذا منتهى علمهم في هذا الموضع، ولو فهموا رشدهم، لعلموا أن حرمانهم بسبب عصيانهم، وأن المعاصي لها عقوبات دنيوية ودينية، ولهذا قال: { بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا }
{ 16-17 } { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا }
لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم. { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، { فَإِنْ تُطِيعُوا } الداعي لكم إلى قتال هؤلاء { يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ } عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك.
ثم ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد، فقال: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع.
{ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، { وَمَنْ يَتَوَلَّ } عن طاعة الله ورسوله { يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة في معصيته ومخالفته.
{ 18-21 } { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا }
يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها "بيعة الرضوان" لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من الإيمان، { فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، { وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
{ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر.
{ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } وهذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمين إلى يوم القيامة، { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } أي: غنيمة خيبر أي: فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها، { و } احمدوا الله إذ { كف أَيْدِي النَّاسِ } القادرين على قتالكم، الحريصين عليه { عَنْكُمْ } فهي نعمة، وتخفيف عنكم.
{ وَلِتَكُونَ } هذه الغنيمة { آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } يستدلون بها على خبر الله الصادق، ووعده الحق، وثوابه للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها، { وَيَهْدِيَكُمْ } بما يقيض لكم من الأسباب { صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } من العلم والإيمان والعمل.
{ وَأُخْرَى } أي: وعدكم أيضا غنيمة أخرى { لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا } وقت هذا الخطاب، { قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا } أي: هو قادر عليها، وتحت تدبيره وملكه، وقد وعدكموها، فلا بد من وقوع ما وعد به، لكمال اقتدار الله تعالى، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا }
{ 22-23 } { وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }
هذه بشارة من الله لعباده المؤمنين، بنصرهم على أعدائهم الكافرين، وأنهم لو قابلوهم وقاتلوهم { لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا } يتولى أمرهم، { وَلَا نَصِيرًا } ينصرهم ويعينهم على قتالكم، بل هم مخذولون مغلوبون وهذه سنة الله في الأمم السابقة، أن جند الله هم الغالبون، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }
{ 24-25 } { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }
يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية، من شر الكفار ومن قتالهم، فقال: { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ } أي: أهل مكة { عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي: من بعد ما قدرتم عليهم، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد، وهم نحو ثمانين رجلا، انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة، فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم، رحمة من الله بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم، { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن.
ثم ذكر تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة، وهم الذين أيضا صدوا { الهدي مَعْكُوفًا } أي: محبوسا { أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } وهو محل ذبحه وهو مكة، فمنعوه من الوصول إليه ظلما وعدوانا، وكل هذه أمور موجبة وداعية إلى قتالهم، ولكن ثم مانع وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا متميزين بمحلة أو مكان يمكن أن لا ينالهم أذى، فلولا هؤلاء الرجال المؤمنون، والنساء المؤمنات، الذين لا يعلمهم المسلمون أن تطأوهم، أي: خشية أن تطأوهم { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم، من نيلهم بالأذى والمكروه، وفائدة أخروية، وهو: أنه ليدخل في رحمته من يشاء فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب.
{ لَوْ تَزَيَّلُوا } أي: لو زالوا من بين أظهرهم { لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } بأن نبيح لكم قتالهم، ونأذن فيه، وننصركم عليهم.
{ 26 } { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }
يقول تعالى: { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } حيث أنفوا من كتابة { بسم الله الرحمن الرحيم } وأنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إليهم في تلك السنة، لئلا يقول الناس: { دخلوا مكة قاهرين لقريش } وهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية، لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي، { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين.
{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } وهي { لا إله إلا الله } وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، { وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم { و } كانوا { أهلها } الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }
{ 27-28 } { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }
يقول تعالى: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المدينة رؤيا أخبر بها أصحابه، أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، فلما جرى يوم الحديبية ما جرى، ورجعوا من غير دخول لمكة، كثر في ذلك الكلام منهم، حتى إنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال: " أخبرتكم أنه العام؟" قالوا: لا، قال: "فإنكم ستأتونه وتطوفون به" قال الله هنا: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } أي: لا بد من وقوعها وصدقها، ولا يقدح في ذلك تأخر تأويلها، { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } أي: في هذه الحال المقتضية لتعظيم هذا البيت الحرام، وأدائكم للنسك، وتكميله بالحلق والتقصير، وعدم الخوف، { فَعَلِمَ } من المصلحة والمنافع { مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } الدخول بتلك الصفة { فَتْحًا قَرِيبًا }
ولما كانت هذه الواقعة مما تشوشت بها قلوب بعض المؤمنين، وخفيت عليهم حكمتها، فبين تعالى حكمتها ومنفعتها، وهكذا سائر أحكامه الشرعية، فإنها كلها، هدى ورحمة.
أخبر بحكم عام، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى } الذي هو العلم النافع، الذي يهدي من الضلالة، ويبين طرق الخير والشر.
{ وَدِينِ الْحَقِّ } أي: الدين الموصوف بالحق، وهو العدل والإحسان والرحمة.
وهو كل عمل صالح مزك للقلوب، مطهر للنفوس، مرب للأخلاق، معل للأقدار.
{ لِيُظْهِرَهُ } بما بعثه الله به { عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } بالحجة والبرهان، ويكون داعيا لإخضاعهم بالسيف والسنان.
{ 29 } { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }
يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.
{ يَبْتَغُونَ } بتلك العبادة { فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه.
{ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم.
{ ذَلِكَ } المذكور { مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } أي: هذا وصفهم الذي وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا.
وأما مثلهم في الإنجيل، فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ } أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء.
{ فَاسْتَغْلَظَ } ذلك الزرع أي: قوي وغلظ { فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } جمع ساق، { يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ } من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم، هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال.
{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } فالصحابة رضي الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
هذا بالمختصر من كتاب أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لشيخ أبو بكر جابر الجزائري
أسأل الله العلي القدير أن ينصر إخوآننـآ المستضعفين في غزه،
وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرآ،
.
.
.
http://ma3li.com/mlffat/files/177.gif (http://ma3li.com/mlffat/index.php?action=viewfile&id=177)
ابو هاجر وفهد
01-11-2009, 03:40 AM
سورة الشمس
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)
أقسم سبحانه بهذه الأمور ، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته . وقال قوم : إن القسم بهذه الأمور ، ونحوها مما تقدّم ، ومما سيأتي هو على حذف مضاف أي : الشمس وربّ القمر ، وهكذا سائرها ، ولا ملجىء إلى هذا ، ولا موجب له . وقوله : { وضحاها } هو : قسم ثان قال مجاهد : وضحاها ، أي : ضوئها وإشراقها . وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون عند ارتفاعها ، وكذا قال الكلبي . وقال قتادة : { ضحاها } نهارها كله . قال الفراء : الضحى هو النهار . وقال المبرد : أصل الضحى الصبح ، وهو نور الشمس . قال أبو الهيثم : الضحى نقيض الظلّ ، وهو نور الشمس على وجه الأرض ، وأصله الضحى ، فاستثقلوا الياء ، فقلبوها ألفاً . قيل : والمعروف عند العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعيد ذلك قليلاً ، فإذا زاد فهو الضحاء بالمدّ . قال المبرد : الضحى ، والضحوة مشتقان من الضحّ ، وهو النور ، فأبدلت الألف ، والواو من الحاء .
واختلف في جواب القسم ماذا هو؟ فقيل : هو قوله : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } . قاله الزجاج وغيره . قال الزجاج وحذفت اللام؛ لأن الكلام قد طال ، فصار طوله عوضاً منها . وقيل : الجواب محذوف ، أي : والشمس ، وكذا لتبعثنّ . وقيل تقديره : ليدمدمنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحاً ، وأما : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } فكلام تابع لقوله : { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شيء . وقيل : هو على التقديم والتأخير بغير حذف ، والمعنى : قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ، والشمس وضحاها . والأوّل أولى .
{ والقمر إِذَا تلاها } أي : تبعها ، وذلك بأن طلع بعد غروبها ، يقال تلا يتلو تلواً : إذا تبع . قال المفسرون : وذلك في النصف الأوّل من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة ، وخلفها في النور . قال الزجاج : تلاها حين استدار ، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور ، يعني : إذا كمل ضوءه ، فصار تابعاً للشمس في الإنارة ، يعني : كان مثلها في الإضاءة ، وذلك في الليالي البيض . وقيل : إذا تلا طلوعه طلوعها . قال قتادة : إن ذلك ليلة الهلال إذا سقطت رؤي الهلال . قال ابن زيد : إذا غربت الشمس في النصف الأوّل من الشهر تلاها القمر بالطلوع ، وفي آخرها يتلوها بالغروب ، وقال الفراء تلاها أخذ منها يعني : أن القمر يأخذ من ضوء الشمس . { والنهار إِذَا جلاها } أي : جلى الشمس ، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء ، فكأنه جلاها مع أنها الذي تبسطه . وقيل : الضمير عائد إلى الظلمة ، أي : جلى الظلمة ، وإن لم يجر للظلمة ذكر؛ لأن المعنى معروف . قال الفراء : كما تقول أصبحت باردة أي : أصبحت غداتنا باردة ، والأوّل أولى .
ومنه قول قيس بن الحطيم :
تجلت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
وقيل المعنى : جلى ما في الأرض من الحيوانات ، وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل . وقيل : جلى الدنيا . وقيل : جلى الأرض . { واليل إِذَا يغشاها } أي : يغشي الشمس ، فيذهب بضوئها ، فتغيب ، وتظلم الآفاق ، وقيل : يغشى الآفاق . وقيل : الأرض ، وإن لم يجر لهما ذكر؛ لأن ذلك معروف . والأوّل أولى . { والسماء وَمَا بناها } يجوز أن تكون ما مصدرية ، أي : والسماء وبنيانها ، ويجوز أن تكون موصولة ، أي : والذي بناها ، وإيثار «ما» على من لإرادة الوصفية لقصد التفخيم كأنه قال : والقادر العظيم الشأن الذي بناها . ورجح الأوّل الفراء ، والزجاج ، ولا وجه لقول من قال : إن جعلها مصدرية مخلّ بالنظم . ورجح الثاني ابن جرير . { والأرض وَمَا طحاها } الكلام في «ما» هذه كالكلام في التي قبلها ، ومعنى طحاها بسطها . كذا قال عامة المفسرين ، كما في قوله : { دحاها } قالوا : طحاها ودحاها واحد ، أي : بسطها من كل جانب ، والطحو : البسط . وقيل : معنى { طحاها } قسمها . وقيل : خلقها ، ومنه قول الشاعر :
وما يدري جذيمة من طحاها ... ولا من ساكن العرش الرفيع
والأوّل أولى . والطحو أيضاً : الذهاب . قال أبو عمرو بن العلاء : طحا الرجل : إذا ذهب في الأرض . يقال : ما أدري أين طحا؟ ويقال : طحا به قلبه : إذا ذهب به ، ومنه قول الشاعر :
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } الكلام في «ما» هذه ، كما تقدّم ، ومعنى { سوّاها } خلقها وأنشأها ، وسوّى أعضاءها . قال عطاء : يريد جميع ما خلق من الجنّ والإنس ، والتنكير للتفخيم . وقيل : المراد نفس آدم . { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } أي : عرّفها وأفهمها حالهما ، وما فيهما من الحسن والقبح . قال مجاهد : عرّفها طريق الفجور ، والتقوى ، والطاعة ، والمعصية . قال الفراء : فألهمها عرّفها طريق الخير ، وطريق الشرّ ، كما قال : { وهديناه النجدين } [ البلد : 10 ] . قال محمد بن كعب : إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به ، وإذا أراد به الشرّ ألهمه الشرّ فعمل به . قال ابن زيد : جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى ، وخذلانه إياها للفجور ، واختار هذا الزجاج ، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان . قال الواحدي : وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام ، فإن التبيين والتعليم ، والتعريف دون الإلهام ، والإلهام أن يوقع في قلبه ، ويجعل فيه ، وإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا ألزمه ذلك الشيء . قال : وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه ، وفي الكافر فجوره .
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } أي : قد فاز من زكى نفسه وأنماها ، وأعلاها بالتقوى بكلّ مطلوب ، وظفر بكلّ محبوب ، وقد قدّمنا أن هذا جواب القسم على الراجح ، وأصل الزكاة : النموّ والزيادة ، ومنه زكا الزرع : إذا كثر .
{ وَقَدْ خَابَ مَن دساها } أي : خسر من أضلها وأغواها . قال أهل اللغة : دساها أصله دسسها ، من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء في الشيء ، فمعنى دساها في الآية : أخفاها وأخملها ، ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح ، وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها ، فيقصدها الضيوف ، وكانت لئام العرب تنزل الهضاب ، والأمكنة المنخفضة؛ ليخفى مكانها عن الوافدين . وقيل : معنى { دساها } أغواها ، ومنه قول الشاعر :
وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت ... حلائله منه أرامل ضيعا
وقال ابن الأعرابي : { وَقَدْ خَابَ مَن دساها } أي : دسّ نفسه في جملة الصالحين ، وليس منهم : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } الطغوى : اسم من الطغيان كالدعوى من الدعاء . قال الواحدي : قال المفسرون : كذبت ثمود بطغيانها ، أي : الطغيان حملتهم على التكذيب ، والطغيان مجاوزة الحدّ في المعاصي ، والباء للسببية . وقيل : كذبت ثمود بطغواها ، أي : بعذابها الذي وعدت به ، وسمي العذاب طغوى لأنه طغى عليهم ، فتكون الباء على هذا للتعدية . وقال محمد بن كعب : بطغواها ، أي : بأجمعها . قرأ الجمهور : { بطغواها } بفتح الطاء . وقرأ الحسن ، والجحدري ، ومحمد بن كعب ، وحماد بن سلمة بضم الطاء؛ فعلى القراءة الأولى هو مصدر بمعنى الطغيان ، وإنما قلبت الياء والواو للفرق بين الاسم والصفة؛ لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيراً نحو تقوى ، وسروى ، وعلى القراءة الثانية هو مصدر كالرجعى والحسنى ، ونحوهما ، وقيل : هما لغتان . { إِذِ انبعث أشقاها } العامل في الظرف { كذبت } ، أو { بطغواها } ، أي : حين قام أشقى ثمود ، وهو قدار بن سالف ، فعقر الناقة ، ومعنى انبعث : انتدب لذلك وقام به ، يقال بعثته على الأمر ، فانبعث له ، وقد تقدّم بيان هذا في الأعراف .
{ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله } يعني : صالحاً { نَاقَةُ الله } . قال الزجاج : { ناقة الله } منصوبة على معنى : ذروا ناقة الله . قال الفراء : حذرهم إياها ، وكل تحذير فهو نصب { وسقياها } معطوف على ناقة ، وهو شربها من الماء . قال الكلبي ، ومقاتل : قال لهم صالح : ذروا ناقة الله ، فلا تعقروها ، وذروا سقياها ، وهو شربها من النهر ، فلا تعرّضوا له يوم شربها ، فكذبوا بتحذيره إياهم . { فَعَقَرُوهَا } أي : عقرها الأشقى ، وإنما أسند العقر إلى الجميع؛ لأنهم رضوا بما فعله . قال قتادة : إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وأنثاهم . قال الفراء : عقرها اثنان ، والعرب تقول : هذان أفضل الناس ، وهذان خير الناس ، فلهذا لم يقل أشقياها .
{ فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا } أي : أهلكهم ، وأطبق عليهم العذاب ، وحقيقة الدمدمة : تضعيف العذاب ، وترديده ، يقال دمدمت على الشيء ، أي : أطبقت عليه ، ودمدم عليه القبر ، أي : أطبقه ، وناقة مدمومة : إذا لبسها الشحم ، والدمدمة : إهلاك باستئصال ، كذا قال المؤرج . قال في الصحاح : دمدمت الشيء : إذا ألزقته بالأرض ، وطحطحته ، ودمدم الله عليهم ، أي : أهلكهم . وقال ابن الأعرابي : دمدم إذا عذّب عذاباً تاماً .
والضمير في { فسوّاها } يعود إلى الدمدمة ، أي : فسوّى الدمدمة عليهم ، وعمهم بها ، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم . وقيل : يعود إلى الأرض ، أي : فسوّى الأرض عليهم ، فجعلهم تحت التراب . وقيل : يعود إلى الأمة ، أي : ثمود . قال الفراء : سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوّى بينهم . قرأ الجمهور : ( فدمدم ) بميم بين الدالين ، وقرأ ابن الزبير : ( فدهدم ) بهاء بين الدالين . قال القرطبي : وهما لغتان ، كما يقال : امتقع لونه ، واهتقع لونه . { فَلاَ يَخَافُ عقباها } أي : فعل الله ذلك بهم غير خائف من عاقبة ، ولا تبعة . والضمير في { عقباها } يرجع إلى الفعلة ، أو إلى الدمدمة المدلول عليها بدمدم . وقال السديّ ، والضحاك ، والكلبي : إن الكلام يرجع إلى العاقر لا إلى الله سبحانه ، أي : لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع . وقيل : لا يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقبة إهلاك قومه ، ولا يخشى ضرراً يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم ، والأوّل أولى . قرأ الجمهور : { ولا يخاف } بالواو ، وقرأ نافع ، وابن عامر بالفاء .
وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس { وضحاها } قال : ضوئها { والقمر إِذَا تلاها } قال : تبعها . { والنهار إِذَا جلاها } قال : أضاءها . { والسماء وَمَا بناها } قال : الله بنى السماء { والأرض وَمَا طحاها } قال : دحاها . { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال : علمها الطاعة ، والمعصية . وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { والأرض وَمَا طحاها } يقول : قسمها . { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال : من الخير والشرّ . وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً : { فَأَلْهَمَهَا } قال : ألزمها فجورها وتقواها . وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه عن عمران بن حصين؛ أن رجلاً قال : يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ، ويكدحون فيه ، شيء قد قضي عليهم ، ومضى في قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون مما أتاهم نبيهم ، واتخذت عليهم به الحجة ، قال : " بل شيء قد قضي عليهم " قال : فلم يعملون إذن؟ قال : " من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها ، وتصديق ذلك في كتاب الله : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } " وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث . وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والنسائي عن زيد بن أرقم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اللَّهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها " وأخرجه ابن المنذر ، والطبراني ، وابن مردويه من حديث ابن عباس ، وزاد : «كان إذا تلا هذه الآية : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال : فذكره . وزاد أيضاً : «وهو في الصلاة» . وأخرج حديث زيد بن أرقم مسلم أيضاً . وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة .
وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } يقول : قد أفلح من زكى الله نفسه : { وَقَدْ خَابَ مَن دساها } يقول : قد خاب من دسّ الله نفسه فأضله . { وَلاَ يَخَافُ عقباها } قال : لا يخاف من أحد تبعة . وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه : { وَقَدْ خَابَ مَن دساها } يعني : مكر بها . وأخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } الآية " أفلحت نفس زكاها الله ، وخابت نفس خيبها الله من كل خير " وجويبر ضعيف . وأخرج ابن جرير عنه أيضاً : { بِطَغْوَاهَا } قال : اسم العذاب الذي جاءها الطغوى ، فقال : كذبت ثمود بعذابها . وأخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة ، وذكر الذي عقرها ، فقال : { إِذِ انبعث أشقاها } قال : " انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة " وأخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، والبغوي ، والطبراني ، وابن مردويه ، والحاكم ، وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " ألا أحدّثك بأشقى الناس؟ " قال : بلى . قال " رجلان : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك على هذا -«يعني قرنه»- حتى تبتل منه هذه - يعني : لحيته " .
المصدر فتح القدير
وليد الغامدي
01-25-2009, 11:48 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك طرح قيم للغاية اخي الغالي ابو هاجر نفع الله بك وكتب الله اجرك ...
كذلك الشكر موصول للأخت الفاضلة كلي طموح على الاضافات الطيبه ...
دمتم وسلمتم بارك الله فيكم
شمس الأصيل
01-29-2009, 07:49 PM
بارك الله فيك
ابو هاجر وفهد
01-31-2009, 07:43 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشكورين يا اخوان ولكن الموضوع يجب أن تساهموا فيه الكل الاعضاء
مجدكم
02-01-2009, 09:01 PM
يسلمو أخوي أبو هاجر وفهد على الطرح المتميز من نوعه
ابو هاجر وفهد
02-01-2009, 09:55 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا لك يا اخي ملك القلوب على المرور الطيب ولكن نبغى منك مشاركة في الموضوع جزاك الله خير
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir